ثقافة عامة

ما هي هوية سوريا الاقتصادية !؟

ما هي هوية سوريا الاقتصادية !؟

بقلم المحامي : هادي بازغلان


ما هي هوية سوريا الاقتصادية !؟

هذا السؤال وضحته حكومة تصريف الاعمال التي تم تعيينها عقب سقوط الاسد بكلمتين ( السوق التنافسية الحرة ! ) .. لكن فيما بعد رأينا الكثير من المتناقضات في السياسة الاقتصادية التي حملت هذا الشعار ولم نعد نفهم ما هي السياسة الاقتصادية في سوريا !

يشهد السوريين هذه الايام استمرار لرحلة هبوط سعر الدولار ليسجل انخفاض أمام الليرة خلال يومين بلغ حد 1800 ليرة سورية قديمة في مشهد سوريالي غريب وعجيب من الناحية الاقتصادية حيث لا يوجد أي مؤشر اقتصادي يدعم هبوط الدولار سوى ما تحدثنا عنه سابقا ويتجسد بعاملين ( حبس السيولة من المصرف المركزي .. مضاربة تجار العملة ! )

الكل متفق على ضرورة ان تنخفض قيمة الدولار امام الليرة السورية ,, لكن اذا لم تنخفض الاسعار بالتوازي مع هذا الانخفاض فإن الامر يعد كارثة قادمة على سوريا لان نصف الشعب وأكثر يعتمد في معيشته على ما يأتيه من الخارج من حوالات بالدولار ,, واذا ما انخفضت قيمة هذه الحوالات فلن تغطي أدنى مصروف للعائلة !

أقرأ أكثر:

ما هي هوية سوريا الاقتصادية !؟
الكل متفق على ضرورة ان تنخفض قيمة الدولار امام الليرة السورية ,, لكن اذا لم تنخفض الاسعار بالتوازي مع هذا الانخفاض فإن الامر يعد كارثة قادمة على سوريا

لنضرب مثال ..

لو افترضنا أن عائلة تعتمد في مصروفها على ما يرسله لها احد ابنائها ولنفترض انه 200 دولار شهريا كحد وسطي وكان يساوي قبل هذا الهبوط نحو 3 مليون ليرة سورية تقريبا .. الان بحسب اخر سعر للدولار فإن 200 دولار أصبحت تساوي نحو 2 مليون و 600 ألف ليرة .. اي ان هذه العائلة سجلت خسارة 400 ألف ليرة دون أي تعويض لان الاسعار في السوق لم تهبط لتتناسب مع هبوط الدولار .. فمن أين لهذه العائلة ان تعوض هذه الخسارة وخاصة أن أحوال أغلب السوريين في الخارج لا تشير الى قدرتهم على رفع مبالغ المساعدات لذويهم بسبب ظروف عملهم الصعبة والغلاء الموجود في كل العالم .. فمن سيساعد من !!؟

مشاكل كبيرة من عدم فهم ما هي هوية سوريا الاقتصادية !؟

المشكلة الاكبر تأتي لتشمل وطن بأكمله عبر ضعف القوة الشرائية .. فعندما ينخفض الدولار وتبقى الاسعار مرتفعة ,, يمسك الناس عن الصرف ويميلون الى الادخار أو الاحتفاظ بما لديهم من نقود على أمل ان تنخفض الاسعار في المستقبل .. هذا يؤدي لضعف القوة الشرائية والتي تؤدي لكوارث اقتصادية نعيشها فعلا ولسنا بحاجة أن نطورها .. الانكماش الاقتصادي .. الركود الاقتصادي .. التضخم الاقتصادي .. نحن بالاصل مبتلون بكل هذه الافات الاقتصادية وما نقوم به عبر حبس السيولة او المضاربة بالدولار لا يعدو عن كونه تصرف اقتصادي ضار سيقودنا لويلات جديدة على مستوى اقتصاد الفرد والعائلة والمجتمع !

ومن ناحية أخرى لا يمكن لوم التجار والصناعيين والمستوردين لعدم تخفيضهم للاسعار بما يتناسب مع سعر الدولار الجديد ,فهم يعلمون جيدا أن هذا السعر وهمي وهو قابل للارتفاع والانفجار في أي لحظة ,وقد سبق لسياسة حبس السيولة في زمن حاكمة مصرف سوريا المركزي السيدة ميساء صابرين أن أدت لهبوط الدولار لحدود 6000 ليرة سورية لكن الاسعار لم تهبط اطلاقا .. وخلال أيام ارتفع الدولار ليتخطى حاجز 10000 ليرة سورية .. و وقتها عزت السيدة ميساء هبوط الدولار في اغرب تصريح اقتصادي شهده العالم الحديث .. (( الدولار هبط لانو السوريين مبسوطين ومرتاحين !! ))

من المعلوم في علوم الاقتصاد أن أبرز السياسات الاقتصادية للدول تتمثل في السياسة المالية والسياسة النقدية والسياسة التجارية والسياسات الهيكلية التنموية، وتستخدمها الحكومات والبنوك المركزية لإدارة دفة الاقتصاد وتوجيه مؤشراته نحو النمو المستدام الذي هو غاية وهدف اي سياسة اقتصادية تضعها الحكومة.

تحديات المرحلة الانتقالية والهوية الاقتصادية في سوريا الجديدة
الشعب السوري تأمل تغييرات اقتصادية تضمن له حياة كريمة

كيف تحدد السياسات الاقتصادية للدول لنفهم ما هي هوية سوريا الاقتصادية !؟

لنفهم الموضوع بطريقة سهلة سأشرح بأبسط طريقة ممكنة السياسات الاقتصادية للدول ونفهم ما هي هوية سوريا الاقتصادية !؟

سنوضح بجدول بسيط أدوات وأهداف كل سياسة باختصار :

السياسة المالية : أدواتها ( الضرائب، الإنفاق الحكومي، الميزانية العامة), أهدافها ( السيطرة على التضخم، توفير الوظائف، تمويل الاستثمارات ).

السياسة النقدية : أدواتها ( أسعار الفائدة، المعروض النقدي، الاحتياطي الإلزامي ) ,أهدافها ( استقرار الأسعار، حماية قيمة العملة، ضبط السيولة لأسواق المال ).

السياسة التجارية : أدواتها ( الرسوم الجمركية، الحصص، الاتفاقيات التجارية ) ,اهدافها ( حماية الصناعات المحلية، ضبط ميزان المدفوعات، مكافحة الاحتكار ).

السياسات الهيكلية الخصخصة : أدواتها ( دعم الابتكار، الاستثمار في رأس المال البشري ) , أهدافها ( تحسين بيئة الأعمال، تعزيز الاستدامة، محاربة الفقر والبطالة ).

المدارس الفكرية السياسية الاقتصادية في العالم

في العالم الحديث هناك مدارس اقتصادية تتبعها الدول ونادرا ما تشذ عنها .. يمكن استعراض أبرز هذه المدارس للثقافة الاقتصادية وللمعرفة :

🟠 المدرسة الليبرالية (الرأسمالية التقليدية)

من أشهر المدارس الاقتصادية واكثرها نجاحا ,, تقوم على مبدأ “دعه يعمل، دعه يمر” وتعتمد كلياً على آليات السوق الحر.
الخصخصة: تحويل ملكية القطاعات العامة إلى الشركات والأفراد.
حرية الأسعار: ترك الأسعار تتحدد بناءً على العرض والطلب دون تدخل حكومي.
تقليص الضرائب: خفض الضرائب على الشركات والمستثمرين لتحفيز الإنتاج.
فتح الحدود: إزالة القيود الجمركية وتشجيع التجارة الخارجية الحرة.
( قمت بشرح الليبرالية في مقالات سابقة لمن يريد التوسع )

🟠 المدرسة الكينزية (التدخلية) :

ظهرت بعد الكساد الكبير الذي شهده العالم في بداية القرن الماضي, وتؤمن بأن السوق الحر قد يفشل ويرسخ البطالة، مما يتطلب تدخلاً حكومياً.
الإنفاق العام: ضخ الحكومات للأموال في مشاريع البنية التحتية لتوليد وظائف.
تحفيز الطلب: دعم القوة الشرائية للمواطنين لإنعاش حركة الأسواق.
إدارة الدورات: التدخل بالسياسات المالية والنقدية لضبط التضخم أو معالجة الركود.

🟠 المدرسة النيوليبيرالية (الليبرالية الجديدة) :

تطورت في ثمانينيات القرن الماضي واطلق عليها (مدرسة شيكاغو) وهي انشقاق من المدرسة الليبرالية التقليدية وتدعو إلى الحد الأدنى الشديد لتدخل الدولة.
تقليص الإنفاق: خفض ميزانيات الدعم الحكومي والخدمات الاجتماعية.
تحرير القطاع المالي: إلغاء القيود التنظيمية على البنوك وحركة رؤوس الأموال.
العولمة الاقتصادية: دمج الأسواق المحلية بالأسواق العالمية بشكل كامل.

🟠 المدرسة الموجّهة (الاشتراكية والرأسمالية الحكومية):

رواد هذه المدرسة يرون أن السياسة الاقتصادية يجب أن تتراوح بين السيطرة الكاملة للدولة أو قيادتها لقطاعات استراتيجية معينة.
الاشتراكية التقليدية: امتلاك الدولة لوسائل الإنتاج وإدارة الاقتصاد عبر خطط مركزية.
رأسمالية الدولة (النموذج الصيني): فتح المجال للشركات الخاصة مع احتفاظ الدولة بالسيطرة على الشركات الكبرى والمصارف والطاقة.
الحمائية القومية: فرض قيود مشددة على الواردات لدعم وتوطين الصناعات المحلية.

ومع تطور وتعقد الحياة المعاصرة نشأت الكثير من المدارس التي اضيفت للمدارس السابقة التقليدية ولن نقوم بشرحها لكن سأسردها من باب المعلومة الثقافية الاقتصادية التي يجب أن نمتلكها في نقاشاتنا المعرفية :

سياسة اقتصاد الصدمة (Shock Therapy)
السياسة الحمائية الجديدة (Neo-Protectionism)
السياسة الاقتصادية الخضراء (Green Fiscal & Monetary Policy)
سياسات جانب العرض (Supply-Side Economics)
السياسة النقدية غير التقليدية (Unconventional Monetary Policy)
سياسة التنمية المدفوعة بالابتكار (Innovation-Driven Policy)

العملة السورية الجديدة.. هوية زراعية واقتصادية تجسّد ارتباط الإنسان بالأرض  - الإخبارية السورية
العملة السورية الجديدة

ما هي هوية سوريا الاقتصادية في ظل هذه المدارس !؟

في سوريا لا نرى سياسة اقتصادية واضحة تشكل نموذج نسير عليه ,نحن بعبارة أدق ضائعون وحائرون ولا نفهم السياسة الاقتصادية للدولة لغياب الشفافية وعدم كشف النموذج الذي نسير عليه مما يزيد في الطين بلة هو التنقل بين أكثر من سياسة وهذا ما يفسر صدور العديد من القرارات التي تستهدف موضوعا واحدا بعينه ,فكثرة القرارات تعني تخبط اداري وبيئة غير مستقرة للاستثمار الذي يتطلب لينمو بيئة اقتصادية مستقرة مع تخفيض القرارات للحد الادنى !

اذا نحن أمام خيارات صعبة سيدفع ثمنها الشعب السوري ,فهبوط الدولار الحاد لم يشكل انفراج بل على العكس ,والتجار والصناعيين انفسهم يدفعون مثل الشعب ضريبة التلاعب بالدولار في السوق السوداء .. ان كل هذا المناخ الاقتصادي المتذبذب لن يشجع مستثمر سوري او عربي او اجنبي للقدوم للاستثمار في سوريا .. وهنا أطرح سؤالا بديهيا ..

حلول للوصول الى تحديد هوية سوريا الاقتصادية

وهنا نتسائل لما لا تقوم الحكومة بتعيين خبراء اقتصاديين على كفاءة عالية لديهم القدرة لرسم سياسة اقتصادية متزنة طويلة الامد لكنها مستقرة ويتم عرضها على مجلس الشعب لمناقشتها ليفهم جميع السوريين وخاصة المستثمرين منهم ورجال الاعمال .. سياسة بلدهم الاقتصادية .. كما يتم في كل دول العالم .. لما لا نمتلك مجلس شعب الى هذه اللحظة !!!؟

ما هي اجابة السؤال ما هي هوية سوريا الاقتصادية !؟

ما هي إجابة السؤال !؟ .. في الواقع لا إجابة .. نحن لا نمتلك هوية اقتصادية واضحة .. نحن نسير في تخبط سببه التعنت في القرارات والتعيينات ونقص الكفاءات التي تقود اقتصاد البلد .. واذا ما استمر الحال على ما هو عليه فسنكون بمقابل مصائب اخرى قد لا نكون قادرين على مواجهتها لذا أصبح من الاولويات القصوى تغيير الدفة وتغيير الكوادر وفهم خطورة المرحلة وأن الولاءات لا علاقة لها بعلم صلب وأصم واخرس وجامد مثل علم الاقتصاد الذي لا يعترف إلا بالارقام لتحديد هوية سوريا الاقتصادية !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى