ثقافة عامة

هل عقاب تمجيد الاسد هو الحل !!؟

هل عقاب تمجيد الاسد هو الحل !!؟

بقلم المحامي : هادي بازغلان 


تمجيد الاسد !

منذ عدة أيام كان الترند السوري عبارة عن فيديو لسائق تكسي كبير في السن يدعي أن بشار الاسد لم يقتل احد وان صيدنايا لم يكن به مكابس وأن كل من دخله كان يستحق ذلك .. وما الى ذلك من كلام ورد على لسانه في الفيديو وكلكم تعلمونه كي لا نطيل الكلام !!

وعلى أثر ذلك الفيديو طالب جمهور الثورة بمعاقبة هذا السائق لكونه يجمد الاسد ويبرأه من جرائمه وذلك استنادا لنص الفقرة الثالثة من المادة 49 من الاعلان الدستوري التي تنص حرفيا :

(( تجرم الدولة تمجيد نظام الأسد البائد ورموزه، ويُعد إنكار جرائمه أو الإشادة بها أو تبريرها أو التهوين منها، جرائم يُعاقب عليها القانون ))

كل هذا معلوم واصبح مستهلك ولا أحب أن اعيد ما نشر .. لكن ما أود الكلام به مختلف وجديد تماما ويخاطب العقل كالعادة للفائدة .. فأنا اتقصد دائما تنمية العقل السوري للتفكير المستقل وجعله قادرا على التحليل والتفكيك لا على ترديد ما يقال ويكتب أمامه !!

أقرأ أكثر :

لجنة دولية تجمع وثائق رسمية تدين الرئيس السوري في جرائم حرب - تايمز أوف  إسرائيل
تجرم الدولة تمجيد نظام الأسد البائد ورموزه، ويُعد إنكار جرائمه أو الإشادة بها أو تبريرها أو التهوين منها، جرائم يُعاقب عليها القانون

هل عقاب تمجيد الاسد هو الحل !!؟

اريد أن اتناول نقطتين هامتين في هذا الموضوع .. والنقطتين تنطلقان من صلب هذا السؤال .. هل يجب قانونا تجريم هذا السائق !!؟ هل عقاب تمجيد الاسد هو الحل !!؟

النقطة الأولى ..

في واقع الامر .. ومن الناحية القانونية لا يجوز تجريم هذا الشخص لان نص المادة الدستورية كان خاليا من ذكر عقاب من يقوم بتلك الافعال ,, وهو عيب شكلي يمنع التجريم تحت طائلة البطلان المطلق وذلك عملا بالقاعدة الفقهية القانونية .. (( لا عقوبة بدون نص )) ,, وبالتالي لا يكفي أن تذكر ان الفعل يعد جريمة بل لا بد من ذكر عقوبة هذه الجريمة عملا بالمقولة الفرنسية الشهيرة .. (( العقاب على قدر المنفعة )) أو ما نعرفه في ثقافتنا بشكل مرادف على أنه (( الجزاء من جنس العمل )) وذلك خضوعا لمبدأ تحقيق العدالة التناسبية حيث يُقاس حجم العقوبة أو الضرر المترتب على المخالفة أو الجريمة بحجم المنفعة التي جناها المخالف، أو الضرر الفعلي الذي تسبب فيه للآخرين، وذلك لردع المعتدين ومنع استغلال الموارد والمصالح .. الخ

والموضوع واضح كي لا نستطرد بالشرح اكثر من ذلك !

اذا ننتقل للنقطة الثانية .. وهي الاهم برأيي ..

عندما سمعت كلام هذا السائق في الفيديو .. ربطته بما عشناه في فترة الاسد من كوارث انسانية بحق الشعب السوري .. كان لدي مجموعة محترمة من الاصدقاء المناصرين للاسد بتلك الفترة وكنت معهم على خلاف دائم وأكثر ما كان يستفزني انكارهم لكل جرائم الاسد وقتها من قتل وتدمير وتهجير وافعال يندى لها جبين وضمير الانسانية !

ثم ادركت فيما بعد سبب هذا الاستفزاز ,وأنهم لم يتقصدوه اطلاقا ,هم كانوا اسرى فكر معين يعيشونه بأن كل ما يرونه هو مؤامرة ,وأن الاسد هو البطل الذي يقف بوجه المؤامرة التي تستهدف عروبة سوريا ودورها المقاوم و و و … الخ , من هذا الخطاب البائس الذي كان الاعلام السوري والرديف يحشونه في رؤوس مناصري الاسد حتى اصبح هؤلاء سجناء دائرة مقفلة لا مهرب لهم منها .. دائرة تمجد الاسد وتصف كل من يعارضه بأنه ارهابي متأمر وجرثومة وخائن للوطن !!

وللمفارقة فهي نفس مشكلة محبي السلطة الحالية التي تمنعهم من فهم الانتقاد الموجه لاي قرار او تصرف يصدر من السلطة ,فهم يرون من ينتقد بأنهم عملاء وفلول واذناب نظام و و .. الخ ! هم ايضا سجناء نفس الدائرة ولا يجدون مهربا منها !

فيديو لسائق تكسي في دمشق يثير غضب السورين @منصة اكس - @k7ybnd99
سائق تكسي كبير في السن يدعي أن بشار الاسد لم يقتل احد وان صيدنايا لم يكن به مكابس وأن كل من دخله كان يستحق ذلك

وهنا لو كنت في منصب في السلطة والحكومة لاقترحت امرين .. للرد على سؤال هل عقاب تمجيد الاسد هو الحل !!؟

الأول :
تحديد وصف ( التجريم ) الذي جاء به نص المادة ( 49 ) يجب أن يطال الشخصيات الهامة العادية والاعتبارية والمنصات الإعلامية بمختلف اشكالها .. لا أن يطال مواطنين عاديين لا حول لهم ولا قوة ولا تأثير ولا صوت .. فمنطقيا من سيتأثر بخطاب سائق التكسي هذا كي نقيم عليه حد الجرم ونقوم بمعاقبته .. ما مدى تأثير هذا الخطاب من رجل مسن كان حبيس دائرة مغلوطة من المعلومات !!؟

أما لو صدرت هذه العبارات من منصة إعلامية أو شخصية مؤثرة لها قاعدة جماهيرية واسعة .. فعندها يكون للتمجيد وقع واثر يجب أن يعاقب فاعله .. !!

الثانية ..
بالنسبة لحالة كحالة سائق التكسي هذا ,, من حيث محدودية التأثير بالنسبة لفعل التمجيد .. فالأفضل برأيي من العقاب هو أن نساعد هذه الفئات للخروج من هذه الدائرة المقفلة ونحررهم من افكارها وقيودها !!

دعونا نفكر قليلا ونتخيل ما يلي :
لو افترضنا أننا اعتقلنا هذا السائق وقمنا بحبسه من باب تمجيد الاسد .. ولنفترض أن لديه عائلة مسؤول عنها ويعمل كي يعيلها .. كم عدو سنخلق جراء اعتقالنا وحبسنا له !!؟ ومن ناحية اخرى .. هل بهذا الحبس سيغير هذا الرجل قناعته ويصبح مقتنعا بشكل كامل أن الاسد مجرم !!؟

بالتأكيد لا .. بل سيصر على موقفه بأن الأسد لم يقتل احد وان المسؤولون عن السلطة الحالية هم القتلة .. هكذا يظن ضمن دائرته المقفلة ! .. وهكذا ستظن عائلته ومحيطه وستبقى قناعتهم كما هي .. ومن المعلوم ان العقاب يجب ان يشكل رادع ولكنه بالأساس (( اصلاح )) واذا لم تتحقق غاية الاصلاح فما فائدة العقاب !!؟

تمجيد الاسد
الرئيس احمد الشرع الذي يأمل السوريون معه بنسيان حقبة الاسد البائدة

ما الحل البديل عن عقاب تمجيد الاسد !!؟

إن الاجدى من عقابه وسجنه هو تخصيص (( هيئة وعي عام )) ملحقة بوزارة الثقافة على سبيل المثال .. يستلم مهامها اكاديميون مختصون بعلم النفس والتربية والسيسولوجيا .. و تكون مهمتها توعية كل الفئات التي تخضع لدوائر الوعي المقفلة على كسر هذا الحصار الفكري والادراكي والتحرر منه !!

تصوروا كم سنستفيد وتكون صورة الحكومة والسلطة مشعة وبراقة وإنسانية عندما تتولى لجنة معينة افهام هذا السائق بالأدلة والبراهين والحوار والنقاش كم كان الأسد مجرما بحق الشعب والبلد ,وأن أفكاره حول ان الأسد لم يقتل ولم يدمر , والتي استقاها وخزنها في الوعي الفكري لديه من قنوات الأسد الإعلامية ,ما هي إلا أفكار بالية تم صناعتها في دوائر الأسد الإعلامية لإغراق جمهوره بالمؤامرات والاكاذيب .. عندها سيقتنع هذا الرجل بكل الأفكار الحقيقية ويخرج ناكرا لجرائم الأسد ولاعن له ولحقبته وينشر ذلك في محيطه وعائلته .. أليس ذلك أفضل مليون مرة من حبسه وسجنه واهانته وهو غالبا مريض نفسي وأسير دوائره المغلقة !!؟

هل عقاب تمجيد الأسد هو الحل !!؟

اذا ما اردنا ان نرى سوريا التي نريد ان تكون بحضارتها ورقيها و وحدتها وقوتها ,يجب علينا ان نفكر خارج الصندوق وان نسعى أولا وأخيرا لتكريس مبادئ المواطنة واعادة حياكة النسيج السوري ليكون منسجما متجانسا ويصعب اختراقه من اي عدو خارجي !

نحن لسنا بحاجة الا لعاملين للوصول لأهدافنا .. نحن بحاجة لأشخاص لها قدرة على التفكير الصحيح والذكي متسلحين بالعلوم الانسانية ( الفلسفة والفقه القانوني ولاجتماع وعلم النفس والحضارات ) .. وبحاجة ان يحب هؤلاء ما يعملون لأجله ويخلصون في العمل .. نحن لسنا بحاجة اشخاص يجلسون على كراسيهم في مناصبهم كي يترفعوا على الناس ويركبون احدث السيارات ويسكنون افخم القصور لان هذه الفئات لن تصدر قرارا واحد يفيد البلد او المواطن .. بل هم عبء على البلد من قيادتها لشعبها !

بالنهاية يجب أن نميز ما بين مجرمي الذين يجب أن يلاحقوا في محاكم العدالة الانتقالية وينالوا جزائهم العادل ولو كانوا بمئات الالاف .. وبين الاشخاص البسطاء محدودي الفكر والوعي كسائق التكسي ,وأن نفهم أن تمجيد الاسد لدى هؤلاء لا يعدو عن كونه مرض يجب معالجته وليس جريمة يجب ان نعاقبهم عليها .. يجب أن نساعدهم للخروج من دوائرهم المقفلة ليبصروا الحقيقة وننتهي من فوبيا تمجيد الطواغيت للابد .. لا أن نساعد على تكريس هذه الفوبيا في عقولهم وحبسهم بدوائرهم المقفلة للابد .. لان أكبر انتصار حقيقي للثورة هو أن نمحي تمجيد الاسد نهائيا من عقول السوريين !!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى